تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن
124
من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )
هذه خصوصية أُخرى ألحقناها بالخصوصية الثانية ، فالطريق يبقى مفتوحاً ومشرعاً أمام السالك للعودة مرّة أُخرى للاغتراف والتزوّد ما دام السفر فيه غير متناه . وهذا الأمر غير موجود بالنسبة للسفر الأوّل ، فإنّ السالك بعد أن غادر عالم الكثرة الحقيقية وعالم المادّة لن يعود إلى تلك الكثرة الحاجبة للوحدة مرّة أُخرى . نعم هنالك عودة أُخرى كما سنعرف ذلك ولكنّها عودة إلى الخلق وعالم الكثرة دون الاحتجاب عن عالم الوحدة . بعبارة أُخرى : لا عودة للسالك إلى عالم الحُجب الظلمانية المرتبطة بنشأة المادّة والحُجب النورية المرتبطة بنشآت ما فوق المادّة . وإذا ما عاد إلى عالم المادّة والكثرة كما هو الحال في السفر الثالث والرابع فإنّها عودة أُخرى تختلف تماماً عمّا كان عليه في أوّل الطريق . فهنالك كان السالك محجوباً عن الوحدة بحُجب ظلمانية وأُخرى نورانية « 1 » ، وأمّا في عودته فإنّه يعود وهو متمحّض في الحقّانية أي في
--> ( 1 ) لك أن تسأل قائلًا : تعقّلنا كون الحجاب ظلمانياً ، وهو المتبادر إلى الذهن ، فكيف يكون الحجاب نورانياً ؟ ! الجواب : إنّ ترك المأمور به « الواجبات أو المستحبّات » وفعل المنهيّ عنه « المحرّمات والمكروهات » يُوجب حُجباً ظلمانية في القلب ، وهذا واضح . وأمّا الحُجب النورانية فإنّ العبد يكون فيها مطيعاً حيث امتثل للأوامر وانتهى عن النواهي ولكن كان ذلك منه طلباً للثواب وتجنّباً للعقاب ؛ بعبارة أُخرى : إنّ عبادته كانت عبادة التجّار « طلب الأجر » أو عبادة العبيد « تجنّب العقاب » وهذه العبادات وإن كانت مقبولة ، ولعلّها تُدخله الجنّة ، إلّا أنّها لا تخرج عن كونها حُجباً تحجبه من المقصد والمنتهى وهو الله تعالى ، نعم هي حُجب نورانية لأنّها مأمور بها في صورة الفعل ومنهيّ عنها في صورة الترك . وأمّا من عبده عبادة / / الأحرار فذلك الذي كان مقصده الأوحد هو الله تعالى فلم تحجبه تلك الحُجب عن محبوبه الأوحد وقبلته الأولى وكعبته المُثلى . قال أمير المؤمنين علي عليه السلام « إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار » ، نهج البلاغة ، نسخة المعجم المفهرس ، مصدر سابق : 171 ، رقم الحكمة : 237 .